من رجال الأدب والصحافة والتعليم
مصطفى الإبجيجى ( 1925 - 1993 )
شاعر متمكن ولغوى قدير
إسمه كاملاً مصطفى أمين محمد الإبجيجى .. وكان يطلق عليه أحياناُ إسم " رشيد " .
ولد فى قرية إبجيج بمحافظة الفيوم عام 1925 .. وهو من سلالة صالحة معروفة لدى أبناء الفيوم وبنى سويف وماحولهما بالتقوى والورع ، فوالده هو العالم الأزهرى الفاضل المرحوم الشيخ أمين الإبجيجى ، وجده العارف بالله المرحوم الشيخ محمد على قاسم الإبجيجى ، وهى سلالة وافدة من قرية إبجيج التابعة للفيوم .
نشأ فى بيت يؤمه أهل الدين والعلم والأدب وعلى رأسهم أعلام بيت القاياتى مشايخ الطريقة الصوفية " الخلوتية " وأصحاب السهم النافذ فى الحركة الوطنية ، حيث كان بيت القاياتى بالغورية هو البيت الوحيد فى مصر الذى جرؤ على إستقبال الزعيم أحمد عرابى بعد عوته من المنفى ، وحيث كان الشيخ مصطفى القاياتى هو أستاذ الزعيم مصطفى كامل .
تلقى مصطفى الإبجيجى تعليمه التقليدى بدءاً من مدرسة جمعية المحافظة على القرآن الكريم بالفيوم ، ثم حصل على شهادة كفاءة المعلمين من مدرسة المعلمين ببنى سويف ، ثم حصل بعد ذلك على الدبلوم الراقى للتدريس .
عين بعد تخرجه مدرساً للتعليم الإبتدائى ، ثم أختير مديراً لمكتب مدير التعليم بالفيوم ، ثم عمل بالتعليم الإعدادى وكان موهوباً فى تدريس اللغة العربية كهوايه ترضى ذوقه الأدبى الرفيع ، ولهذا كان آخر عمل رسمى له قبل الإحالة إلى المعاش هو وظيفة " وكيل المدرسة المحمدية الإعدادية للبنات بالفيوم " .
حصل على شهادة تقدير من وزير التربية والتعليم باعتباره المعلم المثالى على مستوى الجمهورية سنة 1973 .
كان بيت الإبجيجى مقصداً لهواة الفكر والثقافة من مختلف مراحل التعليم عقب صلاة الجمعة من كل إسبوع ، حيث تحتضنهم مكتبته الغزيرة الغنية بأمهات الكتب والمراجع ودواوين الشعراء من قدامى ومحدثين ، وكان مصطفى الإبجيجى هو الصديق والرائد والأستاذ فى هذا " الصالون الإبجيجى الإسبوعى " الذى خرج شعراء وخطباء وكتاب لم يزل الكثير منهم يثيرون الحركة الثقافية فى الصحف والمحافل والندوات .
ولكن الكثيرين - إن لم يكن الجميع - من الأجيال الشابة المعاصرة يجهلون تماماً دور أستاذهم مصطفى الإبجيجى فى الحركة الوطنية فى مصر ، حيث كان من أبرز جهوده فى هذا المجال أن تنبأ بقيام ثورة 23 يوليو 1952 فى مقاله الذى كتبه فى صيف عام 1951 فى مجلة ( صوت التعاون ) التى كان يصدرها الإتحاد التعاونى بالفيوم ، وكان عنوان المقاله " أحمد عرابى يعود " ودعا فيها إلى ضرورة قيام ثورة جديدة حاسمة على طريقة أحمد عرابى فى مواجهة الخديوى توفيق .. وقد قال فى هذا المقال : ( هانحن اليوم نعانى وطأة القيد ، وظلمة الأسر ، وفوضى الحكم فهل تبعث الأقدار لمصر عرابياً آخر يعلن الغضبة ويعنف الظلم ، ويرهب العاملين فى الظلام .. أكاد أحس أن كل مصرى اليوم أوشك أن يكون عرابياً فقد طفح الكيل وفاض الشجن وتفجرت من كل نفس بوادر التذمر والغليان .. فمن لنا بعرابى يثب الوثبة ، ويضرب الضربة لايعبأ بقوة أو سلطان ؟ ) وكان هذا هو المقال الوحيد الذى دعا إلى الثورة صراحة فى الوقت الذى كان فيه كبار الكتاب والصحفيين الثوريين يكتفون فى كتاباتهم بالتلميح دون التصريح .
واعتبر هذا المقال عيباً فى الذات الملكية وتحريضاً ضد نظام الحكم ، فقبض على الكاتب وعلى رئيس التحرير ، وأودعا سجن الأجانب رهن قضية كبرى ترافع فيها القانونى الأشهر المرحوم على بدوى بك ، والمحامى الفيومى على نجيب بك ، والمحامى الفيومى المعروف الأستاذ صلاح أبو خضرة .. ولكن أرادت مشيئة الله أن تنتهى هذه القضية بالبراءة فى جلسة مشهورة بسراى محكمة الجنايات بباب الخلق بالقاهرة .
وكان مصطفى الإبجيجى شديد الحياء عميق الوفاء ومثل يحتذى به فى الصداقة والحب ، وكان يقضى ليله قابعاً بمكتبته إلى أن تضاءلت الشعلة وخبا الضياء ، فانتقل إلى جوار أبيه وجده وفى رحمة ربه يوم 14/2/1993 .